عبد الملك الجويني
259
نهاية المطلب في دراية المذهب
كذلك اختلفوا في العتاق إذا أبهم المالك العتق بين أَمَتين ، ولم يعيّن واحدة منهما بقلبه عند تلفظه ، فإذا وطئ إحداهما ، فهل تتعين الموطوءة للملك والأخرى للعتق ، فعلى الخلاف الذي ذكرناه ، وأبو حنيفة ( 1 ) يفصل بين العتق والطلاق ، فيقول : الوطء تعيين في الطلاق ، وليس تعييناً في العتاق ، والمسألة مشهورة معه في الخلاف . 9225 - ومما يتعلق بما نحن فيه أنه إذا أبهم الطلاق ولم ينو ، فلما طالبناه بالتعيين في هذا القسم ، قال : عَنَيْتُ هذه أو هذه ، فنقول : ما زدتنا بياناً ، ولم توقع تعييناً . وإن قال : هذه وهذه ، أو قال : هذه بل هذه ، تعينت الأولى ، ولغا لفظه في الثانية ، أما تعيين الأولى ، فتعليله بيّن ، وأما بطلان لفظه في الثانية ، فسببه أن تعيينها للطلاق محالٌ ، ولا مجال للحمل على الإقرار في هذا القسم والقضاء بموجبه ، بخلاف ما إذا نوى عند اللفظ ، ثم قال : هذه وهذه ، أو قال : هذه بل هذه ، فإنا نؤاخذه بموجب إقراره وإخباره عما مضى ، ثم يعترض لنا قبول الإقرار الثاني وإن طال الرجوع على ( 2 ) الأول إذا لم ينو عند اللفظ ، فلا مساغ للإخبار عن ماضٍ ، والإقرار إخبارٌ عن ماضٍ ، وإذا انحسم الإقرار ، فالتعيين يصحّ على وجهٍ يقتضيه اللفظ ، واللفظ لا يقتضي إلا مطلّقةً واحدةً ، وقد ذكرنا أنه إذا قال : إحداكما طالق ونواهما لم تطلقا ، وإنما تطلق واحدةٌ منهما ، ثم إذا صح التعيين في واحدة ، انحسم التعيين في الأخرى ، وهذا فقه حسنٌ ، وسواء فرّعنا على أن الطلاق يقع عند التعيين ، أو يستند إلى اللفظ ، فإن حكمنا بأن الطلاق يقع عند التعيين ، فتعليل ما ذكرناه بيّن ، وإن أسندنا الوقوع إلى اللفظ تبيُّناً ، فاللفظ يكمل بالتعيين ؛ فإنه لم يكن كاملاً إذا ( 3 ) طلّق ولا مقترناً بنيّةٍ ، فإذا حصل إكماله آخراً ، لم يقبل الإكمال إلا على صيغة اللفظ . وتمام البيان فيه أنه إذا نوى عند اللفظ ثم قال : هذه بل هذه ، فلا تطلق إلا واحدة في علم الله ، والذي ذكرناه مؤاخذة تتعلق بالظاهر ؛ لأنا وجدنا للإقرار مساغاً ، وإذا
--> ( 1 ) ر . طريقة الخلاف : 155 مسألة : 65 ، إيثار الإنصاف : 189 . ( 2 ) " على " بمعنى : " عن " . ( 3 ) إذا : بمعنى ( إذ ) .